
العراق في المرتبة 147 عالميًّا على مؤشّر السلام لعام 2025، رقمٌ يبدو للوهلة الأولى مجرّد قيمة في تقرير دولي مكتوب بلغة الأرقام والنِّسَب، لكنّه في الواقع يصف بلدًا خرج من حرب مفتوحة مع تنظيم داعش، ثم وجد نفسه عالقًا في منطقة رمادية بين ذكريات المواجهة المسلّحة وخوفٍ دائم من انتكاسةٍ جديدة، وبينهما ملايين المواطنين الذين خسروا جزءًا كبيرًا من قدرتهم المعيشية بعد تآكل الرواتب بفعل الرسوم والضرائب وارتفاع الأسعار، ويكتشفون يومًا بعد آخر أنّ وصف “الاستقرار” الذي يتردّد في الخطابات لا يطابق تمامًا ما يعيشونه في الشارع والوظيفة والسوق والمدرسة، حيث يبدو كلّ شيء قابلًا للاهتزاز مع أيّ أزمة سياسية أو أمنيّة أو إقليميّة.
ماذا يقول مؤشّر السلام فعلًا عن العراق، بعيدًا عن خانة الترتيب؟
مؤشّر السلام العالمي الذي يصدر سنويًّا عن معهد الاقتصاد والسلام لا يكتفي بعدّ التفجيرات أو الهجمات الإرهابية، بل يشتغل على سلّة واسعة من المؤشّرات التي تحاول أن ترسم صورة مركّبة عن حالة البلد، فهو ينظر إلى مستوى الأمن المجتمعي في الأحياء والمدن، وحدّة النزاعات الداخلية وطريقة إدارتها، ووجود أو غياب الصراعات عبر الحدود، ودرجة العسكرة والإنفاق على الأجهزة المسلّحة، وحجم السجناء والعنف المنظّم والجريمة، ثم يدمج هذه العناصر في درجة واحدة تضع الدولة في خانة أكثر سلمًا أو أقلّ، وعندما يستقرّ العراق في المرتبة 147 من أصل 163 دولة، فهذا يعني أنّ العالم ينظر إليه بوصفه بلدًا لم يعد ساحة معركة مثل سنوات داعش، لكنّه لم يتحوّل بعد إلى فضاء مستقرّ يمكن توقّع مستقبله بثقة، وأنّ التحسّن الأمني النسبي لم ينجح في إخراج البلد من دائرة الهشاشة التي تربط مصيره بسعر النفط، وبمزاج الكتل السياسية، وبقرارات العواصم الإقليمية والدولية.
خريطة التحدّيات كما يقرأها المتحدّث.. أمنٌ يتحسّن وسلامٌ لا يكتمل
الخبير في الشؤون الاستراتيجية جاسم الغرابي يقول في حديثه لـ”بغداد اليوم” إنّ حلول العراق في هذه المرتبة يعكس استمرار تحدّيات أمنية وسياسية واقتصادية متشابكة تؤثّر في مستوى الاستقرار العام، موضّحًا أنّ الاستقرار الحقيقي لا يُقاس بعدد الحواجز ولا بانخفاض بيانات العمليات المسلّحة في نشرات الأخبار، بل بمقدار ما يشعر المواطن بأنّ حياته اليومية تسير من دون مفاجآت قاتلة أو قرارات صادمة أو صراعات يمكن أن تقلب موازينه من لحظة إلى أخرى، وأنّ بقاء السلاح خارج إطار الدولة، وتكرار الأزمات الحكومية، واهتزاز الثقة بالمؤسّسات، كلّها عناصر تجعل أيّ تقدّم أمني عرضةً للارتداد إذا لم ترافقه إصلاحات مؤسّسية عميقة تعيد تعريف من يحتكر القوّة، ومن يكتب القواعد، ومن يطبّق القانون، وتحوّل صورة الدولة من سلطة تتدخّل عند الانفجار فقط، إلى منظومة قادرة على منع الانفجار أصلًا.
الغرباوي يشدّد على أنّ المؤشّر لا يجب أن يُقرأ بوصفه “إدانة دولية” بقدر ما هو أداة تشخيص، بمعنى أنّ الرقم 147 ليس حكمًا نهائيًّا على مستقبل البلد، بقدر ما هو إنذار مبكّر حول نقاط الضعف التي تحتاج إلى معالجة، وأنّ العراق يمتلك عناصر قوّة حقيقية – من طاقةٍ بشريةٍ شابّة، وثرواتٍ طبيعية، وموقعٍ جغرافيّ، وخبرةٍ صعبة في إدارة الأزمات – لكنّ هذه العناصر لن تتحوّل إلى سلام مستقرّ ما لم تُحسم الملفات التي ظلّت معلّقة بعد 2003: السلاح، والقضاء، وطريقة إدارة النزاعات العشائرية، وقواعد اللعبة السياسية، ونموذج الاقتصاد القائم على الريع لا الإنتاج.
السلاح والنزاعات والقبيلة.. ملفّات ثقيلة تعرقل أيّ مسار نحو السلام
حين تُقرأ تقارير المؤشّرات الدولية عن العراق، يظهر ملفّ السلاح خارج إطار الدولة كأحد أهمّ العوامل التي تبقي مستوى السلام في المنطقة الخطرة، لأنّ وجود تشكيلات مسلّحة ذات ارتباطات سياسية أو فصائلية أو عشائرية يعني ببساطة أنّ قرار استخدام القوّة لا يمرّ دائمًا عبر مؤسّسة رسميّة واحدة، وأنّ أيّ صراع داخلي أو إقليمي يمكن أن يتحوّل بسرعة إلى اشتباك على الأرض إذا شعرت مجموعة مسلّحة أنّ مصالحها أو تحالفاتها مهدّدة، وهذا يجعل استقرار المدن والقرى رهينة لمعادلات لا يملك المواطن العادي أيّ دور في صياغتها، ويحوّل القانون إلى أحد العوامل، لا العامل الوحيد، في تنظيم الحياة العامة.
إلى جانب ذلك، تتمدّد النزاعات العشائرية في عدد من المحافظات لتتحوّل أحيانًا إلى حروبٍ مصغّرة تُستخدم فيها الأسلحة المتوسّطة والخفيفة، وتُغلق على أثرها طرق ومناطق، وتُفرض فيها أعراف فوق القانون، الأمر الذي يخلق طبقتين من النظام: نظامًا مكتوبًا في الدستور والقوانين، ونظامًا فعليًّا يتعامل معه الناس حين يندلع نزاع حول أرض أو “دگّة” أو ثأر قديم، وعندما تتسامح الدولة مع هذه الظواهر أو تتعامل معها عبر حلول مجاملة مؤقّتة، فهي عمليًّا تُقرّ بوجود فضاء خارج سيطرة القانون، وهذا بالضبط ما ينعكس في مؤشّرات السلام التي ترصد مدى احتكار الدولة لاستخدام القوّة، ومدى اعتماد الناس على مؤسّساتها في حلّ نزاعاتهم.
سلامٌ بلا خبز أم خبزٌ بلا سلام؟ الاقتصاد كجبهة خفيّة لقياس السلم المجتمعي
السلام ليس غياب المعارك فقط، بل أيضًا وجود أفق معيشة يمكن أن يطمئن إليه الناس، والعراق الذي أنفق مئات المليارات خلال العقدين الماضيين على الأمن والحرب وإعادة الإعمار، ما يزال يعاني من بطالةٍ عاليةٍ وسط الشباب، وتفاوتٍ كبير في توزيع الثروة، واعتمادٍ شبه كامل على النفط، وضرائب ورسوم جديدة أضعفت القوة الشرائية للطبقة الوسطى والموظّفين، ودفعت بالكثيرين إلى الشعور بأنّ ما يتقاضونه على الورق لم يعد يمثّل ما يمكن أن يعيشوا به في الواقع، خصوصًا بعد خسارة شريحة واسعة ما يقارب 20% من رواتبها بفعل الرسوم والقرارات الماليّة.
في هذه البيئة، يتحوّل الضغط الاقتصادي إلى عاملٍ مباشر في تهديد السلام المجتمعي؛ لأنّ العائلة التي تعيش تحت خطّ القلق الدائم من الإيجار، والكهرباء، وأسعار الموادّ الغذائية، ومستقبل أبنائها، تكون أكثر استعدادًا للانخراط في حركة احتجاج غاضبة، أو للهجرة، أو حتى للانجرار نحو مسارات غير قانونية، ما لم تشعر أنّ هناك دولة تفكّر بجدّية في فتح مسارات إنتاج حقيقية، وتشغيل المصانع المعطّلة، واستعادة الزراعة من التهميش الذي تعرّضت له لصالح الاستيراد، وتقليل الفجوة بين الكتلة الرواتب الهائلة وغياب الفرص في القطاع الخاصّ المنظّم، لأنّ أيّ خطّة للسلام تتجاهل الاقتصاد ستتحوّل في النهاية إلى ورقة تقنية لا تعني المواطن الذي يريد أن يعرف: كيف أدفع التزاماتي آخر الشهر، وكيف أؤمّن مستقبل أولادي من دون أن أضطرّ إلى مغادرة البلد؟
الجريمة المنظَّمة كوجه خفيّ لاختلال السلام في حياة الناس
خلف الأرقام الجافة لمؤشِّر السلام، يتقدَّم بهدوء وجه آخر لا يقل خطورة عن السلاح المنفلت والنزاعات العشائرية، هو وجه الجريمة المنظمة التي تجد في الفقر والبطالة وتآكل الرواتب وغياب الأفق الاقتصادي بيئة مثالية للتكاثر، فالشاب الذي يشعر بأن شهادته لا تفتح له باب عمل كريم، وأن راتب والده لم يعد يكفي كلف الحياة الأساسية، يصبح أكثر عرضة للاستدراج إلى شبكات تجارة وترويج المخدِّرات التي توسعت خلال السنوات الأخيرة داخل المدن والأطراف، مستفيدة من حدود رخوة وطرقات تهريب قديمة ومنظومة مراقبة منهكة، بحيث تحولت بعض الأحياء إلى نقاط عبور وتوزيع، لا تمر عبرها المواد المخدِّرة فقط، بل تمر معها ثقافة العنف السريع والربح السهل والاستهانة بالقانون.
وبينما تحاول وزارة الداخلية، عبر حملات متكررة واعتقالات وتشكيل مديريات متخصصة بمكافحة المخدرات والجريمة المنظمة، أن تلحق بهذا التمدد، تصطدم في كل مرة بالبنية نفسها التي تحدَّث عنها الخبراء: فقر يضغط، وفرص نادرة، وسلاح غير شرعي يحمي المهرِّبين والمروِّجين، وفساد يتسلل أحيانًا إلى بعض الحلقات فيسقط التحقيق أو تتبخر القضية في الطريق إلى القضاء، فيتحول الأمن اليومي للمواطن إلى معادلة معقدة يتداخل فيها حضور الدولة مع نفوذ الشبكات غير الشرعية، ويصبح الشعور بالأمان مرتبطًا بمزاج هذه الشبكات بقدر ارتباطه بقدرة المؤسسات الرسمية على الردع والمتابعة.
وفي الوقت الذي يتصاعد فيه نوع آخر من الجريمة لا يحتاج إلى شارع أو حدود، هو الجريمة الإلكترونية التي تستغل انتشار الهواتف الذكية ومنصات التواصل لتحويل غرف مغلقة إلى مسرح لعمليات ابتزاز مالي وأخلاقي، واختراق حسابات، وسرقة بطاقات دفع إلكتروني، وانتحال هويات وهمية لجذب ضحايا من المراهقين والموظفين والتجار، ورغم استحداث وحدات متخصصة في وزارة الداخلية لملاحقة هذه الجرائم وتطوير قدرات التحليل الرقمي، فإن الفجوة بين سرعة تطور أدوات الجريمة وبطء تحديث أدوات المواجهة تجعل الأحياء والأسر تعيش طبقة إضافية من القلق، لأن الخطر لم يعد يأتي من انفجار أو رصاص فقط، بل من رسالة مجهولة على تطبيق، أو رابط مشبوه، أو مكالمة توظف الخوف والفضيحة لانتزاع المال، وبهذا المعنى تصبح الجريمة المنظمة، بشقّيها التقليدي والرقمي، جزءًا من معادلة “اللاسلام” التي ترصدها المؤشرات الدولية، لأنها ترفع كلفة العنف غير المرئي، وتقوِّض ثقة الناس بمؤسساتهم، وتكرِّس شعورهم بأن بلدهم، ما لم يُحسَم ملف السلاح والاقتصاد والفساد، سيظل مساحة مفتوحة أمام شبكات تستثمر في ضعف الدولة وعوز المجتمع، وتسد أمامهم آخر ما تبقى من منافذ الأمان اليومي.
ما المطلوب من الدولة؟ خارطة عمل تتجاوز الخطاب إلى الفعل
الدولة، بوصفها الإطار الذي يمنحه الدستور حقّ احتكار استخدام القوّة، تبدو أمام استحقاق لا يمكن تأجيله إذا أرادت تغيير موقع العراق على خارطة السلام، وهذا الاستحقاق يبدأ ببرنامج واضح لحصر السلاح بيدها، لا يكتفي بالتعهّدات والبيانات، بل يذهب إلى جردٍ تفصيلي لمصادر السلاح، والجهات التي تمتلكه، والمناطق التي ينتشر فيها، ثم يفتح مسارات قانونية وأمنية لدمج من يمكن دمجه ضمن المؤسّسات الرسمية وفق معايير مهنية، ويضع في المقابل قواعد صارمة تحرّم حمل السلاح أو استخدامه في أيّ سياق غير مصرح به، مع تطبيق هذه القواعد على الجميع من دون استثناءات أو “خصوصيّات”.
وموازاة ذلك، تحتاج المنظومة الأمنية والقضائية إلى إصلاحٍ عميقٍ يعيد ثقة الناس بإمكان أن تُحلّ نزاعاتهم عبر المحكمة والشرطة بدل العشيرة والسلاح، وهذا لا يتحقّق من دون استقلال فعلي للقضاء عن الضغوط السياسية والحزبية، وإبعاد الأجهزة الأمنية عن الصراع بين القوى المتنافسة، ووضع آليات شفّافة للتحقيق في جرائم العنف والانتهاكات، وضمان أنّ الضحية والشاهد يحظيان بالحماية، وأنّ المتورّط، أكان نافذًا أو مسلّحًا، يمكن أن يُحاسَب، لأنّ السلام في جوهره عقد ثقة بين المجتمع ومؤسّساته، وكلّ مرّة يشعر فيها مواطن أنّ القانون لا يحميه، يتراجع هذا العقد خطوة إلى الوراء.
ثمّ يأتي ملفّ السياسة الذي وضع العراق أكثر من مرّة أمام أزماتٍ حادّة انعكست مباشرة على الأمن والاقتصاد، إذ إنّ طريقة تشكيل الحكومات، وقوانين الأحزاب والانتخابات، والارتهان للمحاصصة في توزيع المناصب، كلّها عوامل تجعل النظام السياسي مولّدًا للتوتّر، لا لإدارته، وبالتالي فإنّ أيّ رؤية لتحسين مؤشّرات السلام لا بدّ أن تتضمّن مراجعة جادّة لقواعد اللعبة: ضبط تمويل الأحزاب، الحدّ من تأثير المال السياسي والسلاح في نتائج الاقتراع، احترام المدد الدستورية في تشكيل السلطات، فتح المجال أمام نخب جديدة وبرامج واضحة بدل تدوير الوجوه ذاتها إلى ما لا نهاية.
ما المطلوب من المجتمع؟ من المتفرّج القَلِق إلى الشريك في صناعة السلام
المجتمع ليس جمهورًا جالسًا في المدرّج ينتظر من الدولة أن “تعرض” عليه السلام جاهزًا، بل هو طرف أساسيّ في صناعة هذا المسار، فالبيت الذي يقبل بتخزين السلاح في غرفةٍ خلفيّة، والحيّ الذي يتسامح مع إطلاق العيارات النارية في كلّ مناسبة، والعشيرة التي تحوّل الخلاف إلى “دگّة” مسلّحة بدل الذهاب إلى المحكمة، والناخب الذي يصوّت لمن يحميه بالسلاح لا بالقانون، جميعهم يساهمون، بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشر، في إبقاء العراق في قاع مؤشّرات السلام.
لذلك يصبح من الضروري أن ينتقل المجتمع من موقع الشكوى فقط إلى موقع الفعل المدني المنظّم، بحيث يختار الاحتجاج السلمي المنضبط كأداة لمواجهة الفساد وسوء الإدارة بدل الانزلاق إلى العنف الذي يعيد الملفّ إلى يد الأجهزة الأمنيّة، ويواجه خطاب الكراهية والطائفية في المنابر التقليدية ومنصّات التواصل، ويستخدم ما متاح له من أدوات رقابة – من النقابات والجمعيات والمنظّمات والاعلام – لمساءلة المسؤولين، ومتابعة تنفيذ الوعود، وتحويل الغضب إلى طاقة ضغط مستمرّة، لا إلى موجات انفجار موسمية تنتهي غالبًا بلا تغيّر ملموس.
مستقبلان محتملان.. إذا استمرّ كلّ شيء كما هو وإذا تغيّر شيء فعلًا
إذا استمرّ العراق في المسار الحالي، مع بقاء السلاح خارج إطار الدولة، وتكرار النزاعات العشائرية، وتعطّل الإصلاح السياسي، وضغطٍ اقتصاديّ يتزايد مع كلّ ضريبة ورسوم جديدة، فمن المرجّح أن يظلّ البلد حبيس حالة “الاستقرار الهشّ” التي تعني غياب الحرب الشاملة لكن مع قابليّة عالية للاهتزاز عند كلّ أزمة، واستنزافًا متواصلاً للموارد في الإنفاق الأمني وتعويض الخسائر، وتراجعًا في ثقة المواطن بمؤسّساته، وبقاء العراق في ذيل مؤشّرات السلام والاستثمار، مع تحسّنٍ شكليّ في الأرقام لا يغيّر الصورة العميقة.
أمّا إذا جرى التعامل مع هذا التصنيف بوصفه مرآة تكشف مواضع الخلل، لا مجرّد رقم يجرح الكبرياء الوطني، وقرّرت الدولة أن تبدأ فعلًا بمسار حصر السلاح، وإصلاح القوانين، وتعديل قواعد اللعبة السياسية، وفتح الاقتصاد أمام مسارات إنتاج حقيقية، وقرّر المجتمع في المقابل أن يرفض حماية السلاح غير الشرعي، وأن يدافع عن حقّه في الاحتجاج السلمي، وأن يحوّل النقد إلى فعل مدنيّ مستمرّ، فإنّ السنوات المقبلة يمكن أن تشهد انتقالًا تدريجيًّا من بلد يخاف من عودة الحرب في كلّ أزمة، إلى بلد يدير نزاعاته عبر السياسة والقانون، ويخفّف منسوب العنف في الشارع، ويعيد توجيه جزء من أمواله من فواتير السلاح إلى التعليم والصحة والبنى التحتيّة وفرص العمل، وعندها فقط تبدأ مؤشّرات السلام في التغيّر لأنّ الواقع نفسه بدأ يتبدّل.
سلام العراق… خيارٌ سياسي واجتماعي لا قدرٌ مكتوب في تقارير الخارج
في الخلاصة، لا يجيب مؤشّر السلام عن سؤال “متى يعيش العراق السلام؟” بقدر ما يضع أمام العراقيين – دولةً ومجتمعًا – خريطة طريق لما ينبغي تغييره كي يكون لهذا السؤال جواب واقعيّ، فسلام العراق لن يأتي به تقرير دوليّ، ولن يصنعه قرار خارجيّ، ولن تضمنه حكومةٌ واحدةٌ أو دورةٌ انتخابية، بل هو مجموع قراراتٍ صعبةٍ تُتّخذ تباعًا لحصر القوّة بيد القانون، ولمنع السلاح من التحوّل إلى لغةٍ يومية، ولتحويل السياسة من إدارة أزمات إلى إدارة مصالح عامة، ولجعل الاقتصاد مصدر أمل لا مصدر خوف، ولتربية جيلٍ لا يرى في العنف طريقًا وحيدًا لانتزاع الحقّ.
وحين تُطرح بعد سنوات نسخة جديدة من مؤشّر السلام، سيظلّ الرقم مهمًّا في لعبة المقارنات، لكنّ الأهمّ بالنسبة للعراقي الذي يقرأه آنذاك لن يكون موقع بلده في الجدول، بل الجواب الصادق في داخله عن سؤال بسيط: هل تغيّر شيء فعلا في حياته اليومية يجعله يشعر أنّ هذا البلد أصبح أقرب إلى السلام منه إلى التهديد الدائم بانكساره من جديد؟




