
في خضم الاستعدادات المتسارعة لانتخابات مجلس النواب المقررة في الـ 11 من تشرين الثاني 2025، تتكشف ملامح مشهد انتخابي يوازن بين التنظيم الفني والانضباط الدعائي. فبينما تعلن المفوضية العليا المستقلة للانتخابات عن أرقام كبيرة للمرشحين المستبعدين وتضع اللمسات الأخيرة على البنية التقنية ليوم الاقتراع، تبرز في المقابل جهود أمانة بغداد لفرض ضوابط على الحملات الدعائية وحماية الممتلكات العامة وتنظيم الفضاء البصري في العاصمة.
وكشف رئيس الفريق الإعلامي في المفوضية، الدكتور عماد جميل عن أن عدد المستبعدين من سباق الترشيح بلغ حتى الآن 751 مرشحاً، لأسباب متنوعة، منها شمول المرشح بإجراءات المساءلة والعدالة، وقيود جنائية أو لأنه متهم بقضايا تتعلق بالفساد.
وبحسب جميل، فإن عملية المصادقة النهائية على القوائم ستجرى مطلع تشرين الأول المقبل، التزاماً بالمادة (16) من نظام تسجيل المرشحين رقم (4) لسنة 2025، التي تنص على نشر القوائم المصادق عليها قبل 30 يوماً في الأقل من موعد الاقتراع. هذا الموعد الحاسم يجعل من الأسابيع القليلة المقبلة فترة ضغط قصوى على المفوضية لاستكمال الجوانب الفنية والتنظيمية.
أما في إطار التحضيرات اللوجستية، فقد أجرت المفوضية ثلاث عمليات محاكاة شاملة شاركت فيها جميع مراكز التسجيل ومكاتب المحافظات والمكتب الوطني، وبلغ عدد المحطات المشاركة 1120 محطة اقتراع، بينها 20 للتصويت الخاص. ووفقاً لجميل، أثبتت النتائج تطابقاً كاملاً بين العد والفرز الإلكتروني واليدوي، فضلاً عن سرعة نقل النتائج عبر الوسط الناقل من المحطات إلى السيرفرات المركزية، من دون تسجيل أي خلل في البرمجيات أو أداء الموظفين.
وتستعد المفوضية ليوم الاقتراع بتشغيل نحو 200,655 جهازاً، تشمل أجهزة العد والفرز الإلكتروني، وأجهزة التحقق من هوية الناخبين عبر بصمة الإصبع والصورة الشخصية والمعلومات الانتخابية، فضلاً عن أجهزة الإرسال المخصصة لكل مركز اقتراع. وإلى جانب ذلك، ستجهز كل محطة اقتراع بكاميرتي مراقبة، بينما سيضم كل مركز اقتراع أربع كاميرات، ما يوفر رقابة بالصوت والصورة تغطي العملية الانتخابية كاملة من فتح الصناديق حتى إعلان النتائج.
ويضاف إلى هذه المنظومة مشاركة نحو 240 ألف موظف اقتراع، سيتم اختيارهم قريباً، وتدريبهم ثم سيتوزعون بين مراكز الاقتراع والمحطات في عموم البلاد. ويرى مراقبون أن هذه الترتيبات التقنية والبشرية تمثل اختباراً لمستوى الجاهزية المؤسسية وقدرة المفوضية على إدارة انتخابات وطنية معقدة في بيئة سياسية واجتماعية حساسة.
كما حددت المفوضية موعد بدء الحملات الدعائية في 9 تشرين الأول، على أن تنتهي في التاسع من تشرين الثاني، أي قبل يوم واحد من التصويت الخاص، لتبدأ بعدها فترة الصمت الانتخابي. وشدد جميل على أن أي نشاط دعائي قبل هذا التاريخ يعد مخالفة صريحة، مشيراً إلى أن التعليمات تحظر في الوقت نفسه استغلال موارد الدولة أو استخدام الرموز والشعارات الرسمية والدينية والخطاب الطائفي.
هذه التعليمات تتكامل مع ما أعلنته أمانة بغداد من ضوابط تفصيلية تخص العاصمة، إذ أكد المتحدث باسمها عدي الجنديل لـ”الصباح”، أن الأمانة، بالتنسيق مع المفوضية، منعت بشكل قاطع إلصاق الملصقات على جدران المباني الحكومية أو التعليمية أو الدينية، فضلاً عن النصب والتماثيل والجسور والمواقع الأثرية. كما منعت تثبيت الدعايات على قطع الدلالة المرورية أو نشرها في الحدائق والمتنزهات، حفاظاً على المنظومات الخدمية والممتلكات العامة.
وفي خطوة لفتح المجال أمام بدائل حضارية، دعت الأمانة المرشحين إلى الاعتماد على الشاشات الإلكترونية المنتشرة في تقاطعات العاصمة، أو اللوحات المعدنية والخشبية ولافتات القماش، شريطة أن تكون قابلة للإزالة بسهولة بعد انتهاء الانتخابات. وأكد الجنديل أن أي مخالفة ستواجه بغرامات مالية تستوفى من مبالغ التأمينات، مع رفع موقف تفصيلي يتضمن اسم المرشح وحزبه ومكان المخالفة إلى المفوضية لضمان استحصال المبالغ.
في موازاة ذلك، تستعد المفوضية لإطلاق عملية تسجيل المراقبين، سواء كانوا من منظمات المجتمع المدني أو من الكيانات السياسية أو منظمات دولية. وعلى الرغم من أن التسجيل لم يبدأ بعد، إلا أن التقديرات تشير، بحسب جميل، إلى إمكانية تجاوز العدد نصف مليون مراقب، وهو رقم ضخم يعكس اتساع دائرة الرقابة المحلية والدولية. ويُفترض أن يشكل هؤلاء المراقبون صمام أمان إضافياً للعملية الانتخابية، بما يعزز ثقة الناخبين ويحد من الطعون والتشكيك.




